الكتاب الأمثل لخرائط العقل

أكتب اليوم عن “الكتاب الأمثل لخرائط العقل” لتوني بوزان، من ترجمة ونشر مكتبة جرير عام٢٠١٣م، ويقع في ٢٤٠ صفحة من القطع المتوسط.

يتحدث عن كل ما يتعلق بالعقل وقدراته وما من شأنه توظيف هذه القدرات بحيث يعمل العقل بأفضل مستويات كفاءته.

شدني عنوانه وأنا أقرأ عناوين كتب تطوير الذات في مكتبة جرير وخطر ببالي وقتها أنه فرصة جيدة لتعريفي بطريقة رسم الخرائط الذهنية واستخداماتها المختلفة.

كانت رحلتي مع الكتاب أجمل مما تصورت، واستحق مني أن أرقُمه بالنجمات الخمسة في موقع جودريدز بجدارة، نقطة لمضمونه المتميز المبتكر وعرضه الرائق الشائق، وثانية للغته الممتازة الصحيحة وصياغته الجيدة بعد الترجمة، وثالثة لأفكاره المتسلسلة المنطقية رغم تنوعها الكبير؛ ورابعة لمحتواه الغني ومعانيه الواسعة إذ يشمل معلومات جامعة قلّ أن تجتمع بين دفتين عن العقل البشري؛ تركيبه، ووظائفه، وقدراته، فضلا عن الإشارة إلي كل ما من شأنه بناء هذا العقل المعجز ابتداء من التفكير ورسم الخرائط العقلية والتمارين الكثيرة لتدريب القارئ عليها، ومرورا بالمعادلة المثالية للنجاح وتطبيقاتها في الحياة، وانتهاء بأهمية الغذاء والصحة واللياقة البدنية لبناء عقل سليم، والخامسة لذوقي الذي استمتع بالكتاب حتى الثمالة، إذ كنت أقرأ وأردد “فتبارك الله أحسن الخالقين”.

سأقتبس منه هذا النص الذي حفزني أن ألتهم باقي الكتاب: “في نفس الوقت الذي تقوم فيه بربط ذهني في تفكيرك فإنك تقوم بعمل روابط ملموسة في مخك، إنك تقوم حقا بجعل مخك المدهش أكثر تعقيدا، وقوة مع كل رابطة فكرية جديدة. ومن ثم فإن المخ الذي تقرأ به هذا الكلام الآن ليس هو مخك الذي كان بالأمس، ولن يكون هو نفسه غدا!”

حَرفٌ وعَرف

سُئلتُ في تويتر سؤالا إبداعيا يقول: تخيل لو أن الكتّاب عطور.. اذكر اسم كاتب والعطر أو الرائحة التي تعتقد أنها تناسبه حسب ما قرأت له.

وأجبت:

أسرتني أجواء جدة في هذا الصباح الفاتن.. الشمس تتمطى خلف الغيم والديم.. تطل وتختفي على استحياء.. تجمع شعاعها المتناثر .. ربما لتلقي به حين تشتد سطوتها عند الظهيرة جملة واحدة.. بقيت خلف نافذتي أرقب الصباح الذي أعلم أنه ما زال دافئا لم يتشبّع بعدُ من اعتدال تشرين .. أعددت قهوة الصباح وتركتها على طاولة القراءة بجوار نافذتي .. وهرعت إلى المكتبة أبحث عن رفيق لقهوتي بين الكتب..

ظللت أشم نكهة قهوة تنبعث من أحد الأرفف لا من فنجاني هذه المرة .. وكلما اقتربت.. كلما ازدادت النكهة سطوعا.. تناولت إحدى روايات هذا الرف وفتحتها.. وإذا رائحة البن المحمص الفاخر تملأ رئتي وتغمر المكان.. ولا عجب.. فالرواية لأجاثا كريستي.. الروائية التي تظل تحبس أنفاسي مع مطلع كل رواية كما تحبسها رشفة قهوة  في صباح منعش..

وتذيب كل محاولاتي للتكهن بالمجرم.. كما يذيب فنجان القهوة قطعة سكر..

شكرا حساب  (من أين أبدأ) في تويتر لطرح السؤال الجميل..

ولنشر جوابي هنا :

http://mnaynabda.blogspot.com/2013/11/rashakurdi.html

ح و ج ن

أتناول اليوم “ح و ج ن” وما أدراك ما ” ح و ج ن”! رواية لإبراهيم عباس، صادرة عن دار يتخيلون، وتقع في ٣١٠ صفحات من القطع المتوسط. تحكي.. ماذا تحكي؟ تحكي عن حوجن بن ميحال الفيحي وقصته مع سوسن الإنسية، ليست أول رواية أقرأها عن الجن فقد قرأت قبلها رواية الجنية لغازي القصيبي لكن لهذه الرواية نكهة أخرى!

التقيت بالرواية عند صندوق المحاسبة في مكتبة جرير فشدتني الحروف المتفرقة ( ح و ج ن ) ثم شدني اسم الدار (يتخيلون) ما سمعت بهما من قبل، والتقطتها .. تصفحتها .. فعرفت أنها من الخيال العلمي، ولأن هذا المجال شحيح في الروايات العربية، فقد تحمست لقراءتها وأضفتها لسلتي دون تفكير. في البيت بدأت بها مدفوعة بفضولي الشديد  بعد أن ابتعلت الطُّعم الذي أعده المؤلف لاصطياد القارئ، وامتلأت رغبة في  التحليق مع صفحاتها نحو المجهول.

وبدأت الرحلة فتوقفت قليلا.. وتأكدت من قراءة أذكاري، وضاعفت الإضاءة، وفتحت التلفاز لأتابع لا شيء سوى صوت يؤنسني ثم شرعت أقرأ. الرواية تجربة ناجحة جدا في مجال الخيال العلمي على الصعيد العربي، وأسلوبها جميل أعجبتني جدا، وكان تقييمي لها ٥/٥ ، فأما النقاط الأربعة فواحدة للباتكار في الطرح والقدرة على جذب المتلقي منذ المصافحة الأولى، لا سيما وقد حافظت على هذه الجاذبية طوال صفحاتها، وثانية لوتيرة الأحداث التي ظلت ساخنة لم تفتر إلا ريثما يلتقط القارئ أنفاسه، وثالثة لجودة المضمون وبعده عن الابتذال، ورابعة لحسن الصياغة في لغة الرواية وانتقاء الألفاظ وطرافة الأسماء التي أتمنى أن أفهم من أين جاء بها المؤلف، وخامسة لذوقي الذي وقع في حب هذه الرواية من أولها لآخرها.

وسأقتبس نصا أعجبني وأعدت قراءته مرارا وأنا أتخيل الموقف وأبتسم من جماله وطرافته وقدرة الكاتب الفائقة على جعل القراء (يتخيلون) ، يقول النص: “رأيت نهر دموعها يسيل على وجنتيها، ويهطل على الكمبيوتر وعيناها محدقتان في تلك الصورة على الشاشة. مددت يدي إليها، أعلم أنها لن تلمسها، مررت أناملي على وجنتيها، حاولت محاولة متأكد مسبقا من فشلها أن أمسح تلك الدموع، رأيت يدها تعبر خلال يدي وهي تمسح دموعها، انتفضت سوسن ونظرت خلفها وانتفضتُ أنا مع أني أعلم أنها لم تشعر بي، ورأيتها تطبق جهازها بسرعة وتركض نحو باب الغرفة تفتحه فقد أحست بقدوم والدتها، خرجت أنا بسرعة والتفت خلفي لأرى سوسن وهي تطفو من أعماق حزنها إلى قمة الفرح وهي تحادث والدتها”.

هل نربي أولادنا أم نفسدهم

أكتب اليوم عن كتاب “هل نربي أولادنا أم نفسدهم” من تأليف روزا باروسيو وترجمة آمال الأتات. يقع الكتاب في ٣٣٦ صفحة من القطع الصغير طبعته دار الفراشة للنشر والتوزيع. العنوان الأصلي للكتاب بالإنجليزية هو Discipline with love أي: التربية بالحب ولم تذكر المترجمة أي سبب لتغيير هذا الاسم ولجوئها إلى الاسم العربي الطويل الذي لم توفق في اختياره برأيي أولا لأني لا أفهم سببا لتغيير الاسم الأصلي، فضلا عن طول الاسم البديل وبعده عن سمات العنونة من إيجاز ودقة وغيره.

وقع الكتاب في يدي خلال جولتي في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة عام ٢٠١٣م، ولفت انتباهي عنوانه ثم شدتني مقالاته وعباراته ولم يخيب ظني فيه فأدى ما أنتظره منه بجدارة ليكون برأيي أحد المراجع المهمة في تربية الأولاد.

تقييمي للكتاب هو ٤/٥ نقطة لجودة المحتوى وأهمية القضية التي يناقشها ونقطة لتسلسل الأفكار ووضوحها ونقطة لحسن الأسلوب وجودة اللغة ونقطة لذوقي الذي استمتع بالكتاب وأفاد منه كثيرا بالرغم من أنه لم يفُز بنقطة الابتكار والتميز .

وأختم بنص يصور أهمية النقاط الواردة في الكتاب :”ذكي! نعم ذكي جدا ولكن هل الذكاء يعني النضوج؟ هنا بيت القصيدوسبب التشوش. قد يكون الأولاد أذكياء جدا بحيث يفاجئوننا أحيانا بملاحظاتهم الذكية ولكن ذلك لا يعني أنهم قادرون على إدارة حياتهم أو أنهم يملكون النضج المطلوب لاتخاذ القرارات. النضج هو نتاج الخبرة وبمعنى آخر: النضج هو نتيجة الربط ما بين السبب والنتيجة إضافة إلى القدرة على التذكر. والحقيقة أن الطفل لا يملك القدرة على ربط الأمور ببعضها بعضا وعلاوة على ذلك، كيف له أن يتذكر أوضاعا لم يعشها بعد؟ ”

كثيرا ما نجني على أطفالنا حين نحملهم ما لا يستطيعون نتيجة ذكائهم فنتوقع منهم أكبر مما تحتمله سنواتهم القليلة وتجربتهم البسيطة في الحياة.

عزازيل

أكتب اليوم عن “عزازيل” وهي رواية من تأليف يوسف زيدان ونشر دار الشروق تقع في ٣٨٠ صفحة من القطع المتوسط حاصلة على جائزة البوكر العالمية عام٢٠٠٩م..

أخذت الرواية اسم (عزازيل) من أحد أسماء الشيطان في الأديان السابقة وتحكي تفاصيل رحلة الراهب (هيبا) الذي فر من قريته بحثا عن اللاهوت والعلوم الطبية بعد أن وشت أمه المسيحية بأبيه الوثني فقتل وتزوجت قاتله.

كأي رواية حازت على جائزة عالمية تمتعت رواية عزازيل بهالة إعلامية بلغت القاصي والداني، سمعت بها منذ سنوات وقررت اقتناءها مرارا ولم يُكتب لي أن أفعل حتى ٢٠١٣ ..

و قرأتها أخيرا، فكان تقييمي لها ٢/٥ ، أما النقطتان لها فنقطة لأن فكرتها كانت مبتكرة مميزة تشعرك بالفعل أنك أمام مخطوط قديم يبذل الكاتب جهدا ليترجمه لك ويدفعك إلى تصديقه بالهوامش، فتخال أنك دخلت إلى عمق التاريخ لتشهد الأحداث بنفسك. ونقطة لتفنن الكاتب في اللغة وجمال الأسلوب فهو حتى حين يطيل الوصف يصف بلغة متمكنة جميلة لا تسمح بالملل.

وأما الثلاث نقاط التي عليها فواحدة لأن وتيرة الأحداث لم تكن متواترة منتظما بل كان سيرها مملا بطيئا حتى قاومت مرارا رغبتي بالتوقف عن القراءة، فالقارئ ينتظر حبكة في الرواية وإيقاعا يتسارع ويخفت بانتظام هو ما يجعله مأخوذا بجو الرواية أخذا.

ونقطة أخرى لكثرة المشاهد الجنسية والإسهاب في كل منها بشكل واضح فاضح .

ونقطة ثالثة لذوقي الشخصي الذي لم يحب هذا النمط من الرواية.

سأختم بنص مختار أقتبسه من الرواية ” السحاب.. كنت كثيرا، وما زلت أحدق في الآفق ساعات العصر والغروب. فأشعر أن هيئة السحاب في السماء هي كتابات إلهية ورسائل ربانية مكتوبة بلغة أخرى غير منطوقة لا يقرؤها إلا من يعرف أصولها المؤلفة من الأشكال لا الحروف” تذوقت في هذا النص نكهة عذبة هي مزيج من سلاسة لغته وبراءته وبساطة تعبيراته فضلا عن صدق تصويره ووهو يذكرنا بخيالاتنا التي تحلق مع شكل كل سحابة نتأملها تحت تأثير واضح أو خفي من أمزجتنا.

ارتطامٌ لم يُسمع له دويّ

أكتب اليوم عن “ارتطام لم يُسمع له دويّ” رواية من تأليف بثينة العيسى صدرت عن مكتبة آفاق وتقع في ١٦٢ صفحة من القطع المتوسط . تحكي عن طالبة كويتية تشارك في أولمبياد الأحياء على مستوى العالم في دولة السويد، ويكلف بمهمة مرافقتها شاب من منطقتها مقيم بالسويد تصطدم باستهتاره وسخريته بوطنه وتقاوم محاولاته لإضعاف حبها هي الأخرى لوطنها الكويت .. قبل أن تكتشف لاحقا دوافع حقده ذاك.

الرواية هي أول لقاء لي مع نتاج بثينة العيسى، وقد كانت حافزا جيدا لي بتتبّع نتاجها .. لأنها بصدق مبدعة .. ففي الوقت الذي عالجت فيه القصة قضية شائكة ومهمة، لم تحرم قارئها لذة التذوق الأدبي للعبارة المنتقاة واللفظة الأنيقة والسبك الموفق.

وكان تقييمي لها ٥/٥ ؛ نقطة لرقي لغتها وسلاسة صياغتها إذ شعرت وأنا أقرأها أني في جنة من كلمات يفوح شذى زهورها فيضاعف متعتي وأنا أقرأ، ونقطة ثانية لعمق القضية التي ناقشتها الرواية وإنسانيتها، وثالثة للتميز الذي طرحت به الفكرة، رابعة لجودة الرواية فنيا بشخصياتها وأحداثها وبراعة تصويرها، وخامسة لذوقي الشخصي الذي استمتع جدا بصحبة صفحاتها.

وسأقتبس هنا فقرة واحدة نموذجا عن مستوى اللغة الذي يوسم بجدارة بالسهل الممتنع: ” في الكويت .. هناك إذ تجبر الشمس الجميع على التقطيب عابسين حتى لو كانوا في أوج سعادتهم، تمارس سيادتها بعنجهية مفرطة ملتذة بما تهبه إياها الصحراء من صلاحيات السطوع الفادح، لأجل أن تمشي في حضرتها مطأطئ الرأس، تحصي البلاطات، بصاق العمال على الأرصفة، طوابير النمل، علب العصير الفارغة.. ولكن أن ترفع رأسك إلى السماء وتبسم؟ وقاحة هذا الخدش الصريح لأعراف الصحاري الجاثمة على أنفاس المدينة”< بهذه الفقرة استهلت الكاتبة روايتها لتكون أول ما يصافح نظر القارئ فيعرف أي مستوى من العبارة ذاك الذي ينتظره بين ثناياها، ولأجل هذا تابعت ترافقني المتعة واللذة حتى آخر حرف فيها.

مع العلم

أكتب اليوم عن “مع العلم” تأليف سلمان العودة وهو كتاب في ١٨٢ صفحة من القطع الكبير نشرته مؤسسة الإسلام اليوم عام ١٤٢٨هـ.

يتناول الكتاب أهمية طلب العلم النافع فضلا عن جملة من آداب طالب العلم التي يحضه على التحلي بها، كما ينبه إلى شيء من آفات طلب العلم وبعض المآخذ والمزالق التي يقع فيها طلبة العلم الشرعي في العادة.

لفت الكتاب نظري لحبي في العلم وقد توقعت من العنوان مضمونا مختلفا، إذ توقعت أنه سيتحدث عن العلم إجمالا لا العلم الشرعي فحسب، لكني مع ذلك مذ شرعت أقرأ في الكتاب انجذبت لاستكماله، لأسلوبه السلس الممتع.

كان تقييمي للكتاب هو ٤/٥ ، نقطة منها لتسلسل الأفكار فيه وجودة الطرح، ونقطة لحسن اللغة وجمال الأسلوب الذي تتمتع به كتب العودة إجمالا، ونقطة لقوة معناه ورقي محتواه وهو يقدم خلاصة تجربة المؤلف مع طلب العلم الشرعي للمقبلين على هذا المجال من بعده ليستحقوا أن يكونوا ورثة الأنبياء بحق، ونقطة لذوقي الذي أعجب بالكتاب عموما، كما سلبت منه نقطة الابتكار والتميز في عرض الفكرة لأنه افتقر إليهما.

ومما لفت انتباهي خلال قراءته أن الكاتب حمّل بعض طلبة العلم مسؤولية الانشغال بالمهم عن الأهم من قضايا العلم الشرعي، وبرأيي  لو وجد طالب العلم من يوجهه إلى الأهم لانصرف إليه، يقول الكاتب:” أن كثيرا من الطلاب في هذا العصر يعنون عناية بالغة جدا ببعض الجزئيات، ويشغلون أنفسهم وغيرهم بها، وهذه الجزئيات ـ وإن كنا لا نرضى أن نسميها قشورا ـ إلا أننا نأخذ الأهم فالمهم، والأولى ثم الأولى، ونعطي كل مسألة حقها الواجب على قدر درجتها من الأهمية ؛ حتى لا تطغى جزئية على كلية، ولا يهمل أصل لأجل فرع. فكون طالب العلم في بداية طلبه للعلم يشغل نفسه بمسألة رفع الإصبع السبابة وتحريكها في التشهد في الصلاة  ـ مثلا ـ حتى تأخذ منه جل وقته واهتمامه…”. أتساءل لو أن كل أستاذ وجه طلابه إلى المقاصد العليا وأشعل في أذهانهم فتيل أسئلة تتطلب البحث في القضايا الأعمق والأهم والأشمل أكانوا تركوها لينشغلوا بقضية رفع السبابة في التحيات؟