جولة في أحضان المتوسط 3 / 7

صورة

اليوم الثالث

أطلّت على شمس هذا اليوم .. من خلف جبال فرنسا .. الشاطئ يقترب والموج يعزف أغنياته .. ونسمات الصبح تمرر لمساتها الحانية على كل شيء ..

قضيت يوما جميلا في محطة هذا اليوم ( فيلا فرانش ) واستمتعت بجولات أخاذة بين كل من ( نيس ) و(كان ) .. تحف بي الريفيرا الفرنسية التي تناقل أخبار سحرها القاصي والداني.. والتقطت بعض التحف .. وكثيرا من الصور التذكارية .. حاولت أن أحتفظ بكل ما أستطيعه من سحر اللحظة والمكان .. وفي مقهى جميل توقفت لتناول كوب من الشوكولاتة الساخنة مع حبات من المكرون الفرنسي الشهير والشهي..

وفي المساء .. بعد غداء شهي آخر وبسمة ودودة جديدة من نادلة ركننا المعتاد .. كنت في شرفتي من جديد أرقب السفينة التي انطلقت بنا نحو محطة أخرى .. في (فلورنس ) إيطاليا هذه المرة ..

جلست في شرفتي أتأمل البحر .. أبثه شجونا ويبثني لحونا .. حتى غربت الشمس وبرد النسيم .. فدخلت أقرأ قليلا قبل موعد عرض حجزناه في مسرح السفينة .. فتحت نافذتي أستقبل النسيم العليل تحت غطاء فراشي الوثير .. واستلقيت لأقرأ قليلا .. لكن جمال المنظر غلبني فألقيت بالكتاب جانبا وسبحت في صنع الخالق عز وجل..

P1010049

لحظات .. وإذا بمجموعات من الدلافين تقفز فوق صفحة الماء زرافات ووحدانا .. أسرعت إلى شرفتي أحاول تصويرها بكاميرتي .. لكنها كانت تسبقني كل مرة وتباغتني فلا أصور إلا صفحة البحر وحدها .. أو طرفا من ذيلها لا يكاد يُرى ..

حتى أظلمت الدنيا .. فسافرت مع أحلامي إلى غدٍ جديد..

جولة في أحضان المتوسط 2 / 7

P1010105

اليوم الثاني

صحوت في الفجر فهرعت إلى شرفتي أستقبل الصباح .. مازال الموج يسبّح والكون ينصت خاشعا.. والهلال يستمتع بآخر لحظات ضيائه قبل أن تبهره الشمس بسطوعها والسفينة تمضي إلى وجهتها بسكينة وشموخ..

ما أجمل صباحك أيها البحر بنسماته الباردة تنعش الروح .. وموجه الهادئ يطرب الفؤاد وغيوم وردية تعانق السماء وهي تودع القمر لتستقبل الشمس التي تلون هذه اللوحة بريشة فنان .. تودع الظلام لتستقبل الضياء والنور .. وأنا في شرفتي أتأمل هذا الوجود .. في انتظار أول إطلالة يبدو فيها الشاطئ من جديد..

برهة وبدأت بوادر اليابسة تلوح في الأفق.. حلقت نوارس مسرعة تستكشف هذا الجرم القادم إلى عالمها قبل أن تحط على صفحة الماء تبحث بين أرزاق الله عن إفطارها.. وعلى خط الأفق بدا جبل بعيد أمامه طيف سفينة من حولها أشرعة متفرقة في عرض البحر ..

نشرت الشمس شعاع الذهب على صفحة البلور المتكسر في استسلام للمسات النسيم .. كيف لا يفلح كل ضيائها في الكشف عما تغطيه طبقات هذا البلور من أسرار البحر وكوامنه؟

الثامنة صباحا بتوقيت بلادي الذي احتفظت به في ساعتي مكتفية بحساب فارق التوقيت ذهنيا.. مع اقتراب الشاطئ ظهرت بعد التفاصيل .. الجبال.. أشجارها .. بيوت المدينة .. نوافذها .. قوارب البحارة.. ثم أهلها .. ترى هل ينظر أهلها إلى هذه السفينة القادمة أم أنهم اعتادوا رؤيتها تعود في صباحات كثيرة .. حتى أصبحت بالنسبة لهم جزء مكررا من مشهد مألوف؟

على قمة الجبل بدت أسوار قلعة قديمة .. ترى ماذا تحمل جدرانها وزواياها من حكايا .. وماذا شهدت من معارك .. وأي رقعة حاكت من التاريخ؟

والنوارس.. ها هي النوارس من جديد.. ترفرف حول السفينة تلقي تحايا الصباح لتكون أول حي يستقبلني .. تبدد هتافاته صمت اللوحة وتبث فيها الحياة ..

P1010054

دخلنا المياه الإقليمية الفرنسية .. وخف لاستقبال السفينة قارب صغير .. يأخذ بناصيتها إلى ميناء طولون محطتنا الأولى..

حسنا .. ترجلت من السفينة للمرة الأولى .. ووقفت أرقبها في امتنان أن عادت بي إلى الشاطئ من جديد .. وركبت قطارا صغيرا كان بانتظارنا ليأخذنا في جولة سريعة.. وعلى الشاطئ في ناحية أخري توقف بنا .. أفطرت في مقهى صغير وتجولت قليلا في وسط البلدة .. فإذا بازار منوّع .. اشتريت منه بعض التذكارات .. وعدت أدراجي إلى السفينة.. كان بانتظارنا غداء فاخر في قاعة كبيرة تخدمه نادلة طاولتنا اليومية تنادي كلا منا باسمه ببسمة ودودة تسأل عن أخبار محطتنا الأولى وتتلقى انطباعاتنا عنها .. وبعد الغداء وقفت في شرفتي أرقب مشهد وداع الشاطئ ووداع النهار يتكرر ثانية بتفاصيله الآسرة .. ثم أسدلت ستاري واحتضنت وسادتي بانتظار المحطة التالية ..

جولة في أحضان المتوسط 1 / 7


صورة اليوم الأول

للمرة الأولى سأسافر بالسفينة في جولة أوروبية في أحضان المتوسط .. إحساس جديد أشعر به تجاه هذه الرحلة التي ستمتد  بي سبعة أيام بين  مدن أزورها للمرة الأولى .. مزيج من حماسة وترقب.. ترى كيف ستكون الرحلة؟ وهل سأشعر بالدوار؟ وهل سيخيف البحر سفينتنا بموجه المتلاطم لا سيما حين تغيب الشمس ويظلم الكون؟ لا أستطيع كتمان حماستي لزيارة كثير من البلاد التي لم تطأها قدماي بعد .. ولم تشهد لي أرضها ركوعا ولا سجودا .. أعددت حقيبة الرحلة تشرّق بي هواجسي وتغرّب .. وأخيرا.. جاء اليوم الموعود..

وصلت السيارة بي إلى ميناء برشلونة بعد لقاء قصير أسفر عن إعجاب ووعد بعودة قريبة .. كيف لا وقد استقبلتني بقطرات مطر ونسمات لطيفة.. وبسمات على وجوه أهلها التلقائيين.. أترى أعود؟

في الميناء ومن بين السفن الكثيرة .. وقفت سفينتنا بيضاء شامخة أنيقة .. واسمها مرقوم على مقدمتها .. سرت فيّ رعدة هيبة وحماس وأنا أقف في صف طويل .. مع أكثر من عشرة آلاف مسافر من مختلف الجنسيات..بهرني التنظيم والدقة وبراعة الإدارة التي اتضحت منذ اللحظة الأولى .. صعدت إلى غرفتي بعد وقت قصير جدا قياسا إلى الحشود الهائلة التي اصطفت تنهي إجراءاتها .. توجهت مباشرة  إلى الشرفة ومنها إلى جولة في الجوار.. أنظر إلى سائر الركاب الذين ما زالوا يصعدون على متن هذا الفندق العائم ..

بدأت السفينة تمخر عباب المتوسط يرافقها قارب صغير سريع .. وموكب من النوارس يحلق حولنا هنا وهناك ملوحا بالوداع.. حتى غادرنا المياه الإقليمية الإسبانية .. وبدأت الرحلة إلى فرنسا حيث محطتنا الأولى ..

photo

لا شيء غير البحر أمامي .. وصوت الموج يهدر في أذنيّ.. انقطع إرسال الهاتف والانترنت .. وشعرت أني في أحضان البحر وتحت رحمة خالقه .. في حديدة بيضاء هائلة .. تزدحم بألوف من البشر .. تسبح نحو الغروب في جمال مهيب يمتد خلفها شريط من زبد كعروس تخطر في فستانها تجر ذيلا طويلا من الدانتيل الأبيض.. أغلقت شرفتي وقد احتضن الشفق الشمس.. وأسدل الليل ستوره فأسدل على الشرفة ستاري ورحت في سبات عميق..