جولة في أحضان المتوسط ٧ / ٧

P1000925

اليوم السابع:

صحوت قبيل الفجر اليوم..هرعت إلى شرفتي..  أنوار برشلونة تتلألأ في الأفق المظلم كحبات لؤلؤ تتناثر على خميلة السَّحَر ..

عدت إلى فراشي أصارع الكسل فيصرعني تارة وأصرعه..

لم يحن وقت عودتي بعد يا برشلونة .. إن هذه إلا رحلة قصيرة من مينائك إلى مطارك لأعود من حيث جئتك .. ولعل القدر يحمل في طياته لقاء قريبا ..

جولة في أحضان المتوسط 6 / 7

صورة

صحوت مع الفجر اليوم .. هرعت إلى شرفتي أدرك موعدي مع الكون.. تنشقت أولى نسمات الفجر وألقيت تحاياي على البحر الهائج ..ثم شرعت أرقب الأفق يصطبغ بحمرة خجولة في استقبال الشمس .. والهلال في كبد السماء يسلم عهدة الضياء إليها قبل غزو النهار.. وإذا غرة الشمس تشع على البحر والسماء ،، تلوّن السماء بألوان الطيف الناعمة .. والكون يرقب البحر يعزف لحنه الأزلي.. لا موعد مع النوارس اليوم .. ولا مع الشاطئ البعيد .. ودعت شمس الصباح التي شع ضياؤها ولفحني لهيبها وعدت إلى فراشي أرتشف غفوة قبل وقت الإفطار .. صحوت بعدها بقليل .. أسرعت إلى شرفتي .. فإذا الشاطئ والنوارس والأشرعة الصغيرة المتناثرة تحييني .. ترى هل لحظت ملامح المفاجأة على وجهي؟ فتحت شاشة جوالي الذي التقط شبكة فرنسا ..ومن خريطة العم قوقل عرفت أننا نبحر قرب مالطا .. أترى أزور مالطا يوما أم تكون زيارتي الوحيدة إليها من وراء حجاب؟

جولة في أحضان المتوسط 5 / 7

photo-3

اليوم الخامس

صحوت باكرة اليوم .. ألقيت على الكون تحايا عجلى من خلف الزجاج قبل أن أعود إلى فراشي إثر وعكة ألمت بي منذ الأمس .. صحوت بعد أن رست السفينة في ميناء (تشيفي تافيكيا ) العريق .. فتناولت دواء مسكنا لأنطلق مع الفريق نزور روما والفاتيكان .. تجولت بنا الحافلة في شوارع روما وتوقفت بنا مرارا عند مزاراتها الشهيرة .. فمن  المدرج الروماني الشهير إلى دولة الفاتيكان التي تقع في قلب روما .. إلى نافورة تريفولي الشهيرة التي يقف بها آلاف السياح من بقاع العالم ليستودعوها أمنياتهم تصديقا أو تقليدا..

photo-2

وفي أحد مقاهي روما الشهيرة عملت بوصية مرشدة الرحلة وتذوقت حلوى الترتوفو التي تشتهر بها روما .. وجدتها غنية جدا بالقهوة والكاكاو .. ولذيذة إلى حد ما.. لكنها بالتأكيد مختلفة عن كل حلوى وقهوة ممزوجة بالكاكاو تذوقتها في حياتي .. عدت بعد الجولة إلى منزلي المؤقت الأنيق لأنعم بشيء من الراحة قبل وجبة العشاء في ركننا المعتاد من مطم مايكل آنجلو الذي شهد أجواء من المرح والأنس اخترعها الطاقم وتفاعل معها الحضور صفيرا وتصفيقا وتلويحا بمناديل المائدة ..

لم أحب مدينة روما  .. ربما لقِصَر الزيارة وازدحامها بالأماكن  .. أو لكثرة المباني القديمة جدا التي تركت فيّ انطباعا بالكآبة  أو لأسباب خفية لم أفتش عنها في داخلي..  واكتفيت بوداع هذه المدينة واستئناف الرحلة..

جولة في أحضان المتوسط 4 / 7

P1010157اليوم الرابع

السابعة صباحا بتوقيت إيطاليا .. أسرعت إلى الشرفة فأدركت كم أنا متأخرة اليوم .. لم أستقبل الشمس أول بزوغها .. ولم أشهد عناق السفينة مع الشاطئ .. أمامي كان الجبل والغيم والبيوت والنوارس .. كلهم بدأ يومه قبلي .. ألقيت تحية خجلى وارتديت ملابسي عجلى لأستكشف فلورنسا وبيزا .. محطة هذا اليوم ..

 

بعد ساعة بالحافلة بين مروج الريف الإيطالي الساحرة .. وجبال (كرارا) حيث المرمر الأبيض .. وصلت إلى برج بيزا المائل .. لا أدري لمَ ظننته أكبر وأطول .. لعله وهج الأساطير يصورها لنا أكبر مما هي عليه في الواقع.. التقطت بعض الصور .. وبعض الهدايا .. وعدت إلى الباخرة .. السماء ملبدة بالغيوم والجو عاصف بارد .. وسفينتي تتحدى الموج ولا تبالي .. تختال فوق صفحة البحر تجر خلفها ذيلها الفاتن .. وكما أخلفتُ موعد الصباح مع النوارس .. أخلفته الآن حين تأخرت عن شرفتي إلى ما بعد الإبحار بنصف ساعة .. الجبال بعيدة .. والنوارس التي كانت تحف بالسفينة تؤنسها وتشيعها إلى أحضان البحر .. عادت إلى الشاطئ تمارس مراسم استقبال جديد أو وداع آخر ..

الموج صاخب .. والنسيم بارد .. في الأفق سفينتان .. وأنوار فلورنس الحسناء ما زالت تلمع بين الجبال .. والشمس تلوّح بوشاح غروبها الوردي تودعني إلى الغد ..

أطل الليل ثانية .. يصبغ الكون بحلله الزرقاء.. درجات من الأزرق تحيط بي تصبغ كل شيء فتأخذ لبي أنا التي تهوى الأزرق .. وحين قضى الليل على كل ما تبقى من ضياء .. أغلقت ستار شرفتي أنتظر الغد ..

P1010194

صحوت منتصف الليل على صفير ريح عاتية ..وهدير موج صاخب.. ولم أكن أغلقت باب شرفتي بإحكام قبلها .. قفزت إلى الباب أوصده بإحكام وقد تسلل بعض الخوف إلى نفسي ولدته ترسبات قديمة من اجتماع الليل والبحروالعواصف على السفينة.. لهجت ببعض الدعاء قبل أن أسلم وجهي إلى بارئه وأكل الكون إلى مبدعه وأخلد إلى النوم إلى الفجر التالي..

جولة في أحضان المتوسط 3 / 7

صورة

اليوم الثالث

أطلّت على شمس هذا اليوم .. من خلف جبال فرنسا .. الشاطئ يقترب والموج يعزف أغنياته .. ونسمات الصبح تمرر لمساتها الحانية على كل شيء ..

قضيت يوما جميلا في محطة هذا اليوم ( فيلا فرانش ) واستمتعت بجولات أخاذة بين كل من ( نيس ) و(كان ) .. تحف بي الريفيرا الفرنسية التي تناقل أخبار سحرها القاصي والداني.. والتقطت بعض التحف .. وكثيرا من الصور التذكارية .. حاولت أن أحتفظ بكل ما أستطيعه من سحر اللحظة والمكان .. وفي مقهى جميل توقفت لتناول كوب من الشوكولاتة الساخنة مع حبات من المكرون الفرنسي الشهير والشهي..

وفي المساء .. بعد غداء شهي آخر وبسمة ودودة جديدة من نادلة ركننا المعتاد .. كنت في شرفتي من جديد أرقب السفينة التي انطلقت بنا نحو محطة أخرى .. في (فلورنس ) إيطاليا هذه المرة ..

جلست في شرفتي أتأمل البحر .. أبثه شجونا ويبثني لحونا .. حتى غربت الشمس وبرد النسيم .. فدخلت أقرأ قليلا قبل موعد عرض حجزناه في مسرح السفينة .. فتحت نافذتي أستقبل النسيم العليل تحت غطاء فراشي الوثير .. واستلقيت لأقرأ قليلا .. لكن جمال المنظر غلبني فألقيت بالكتاب جانبا وسبحت في صنع الخالق عز وجل..

P1010049

لحظات .. وإذا بمجموعات من الدلافين تقفز فوق صفحة الماء زرافات ووحدانا .. أسرعت إلى شرفتي أحاول تصويرها بكاميرتي .. لكنها كانت تسبقني كل مرة وتباغتني فلا أصور إلا صفحة البحر وحدها .. أو طرفا من ذيلها لا يكاد يُرى ..

حتى أظلمت الدنيا .. فسافرت مع أحلامي إلى غدٍ جديد..

جولة في أحضان المتوسط 2 / 7

P1010105

اليوم الثاني

صحوت في الفجر فهرعت إلى شرفتي أستقبل الصباح .. مازال الموج يسبّح والكون ينصت خاشعا.. والهلال يستمتع بآخر لحظات ضيائه قبل أن تبهره الشمس بسطوعها والسفينة تمضي إلى وجهتها بسكينة وشموخ..

ما أجمل صباحك أيها البحر بنسماته الباردة تنعش الروح .. وموجه الهادئ يطرب الفؤاد وغيوم وردية تعانق السماء وهي تودع القمر لتستقبل الشمس التي تلون هذه اللوحة بريشة فنان .. تودع الظلام لتستقبل الضياء والنور .. وأنا في شرفتي أتأمل هذا الوجود .. في انتظار أول إطلالة يبدو فيها الشاطئ من جديد..

برهة وبدأت بوادر اليابسة تلوح في الأفق.. حلقت نوارس مسرعة تستكشف هذا الجرم القادم إلى عالمها قبل أن تحط على صفحة الماء تبحث بين أرزاق الله عن إفطارها.. وعلى خط الأفق بدا جبل بعيد أمامه طيف سفينة من حولها أشرعة متفرقة في عرض البحر ..

نشرت الشمس شعاع الذهب على صفحة البلور المتكسر في استسلام للمسات النسيم .. كيف لا يفلح كل ضيائها في الكشف عما تغطيه طبقات هذا البلور من أسرار البحر وكوامنه؟

الثامنة صباحا بتوقيت بلادي الذي احتفظت به في ساعتي مكتفية بحساب فارق التوقيت ذهنيا.. مع اقتراب الشاطئ ظهرت بعد التفاصيل .. الجبال.. أشجارها .. بيوت المدينة .. نوافذها .. قوارب البحارة.. ثم أهلها .. ترى هل ينظر أهلها إلى هذه السفينة القادمة أم أنهم اعتادوا رؤيتها تعود في صباحات كثيرة .. حتى أصبحت بالنسبة لهم جزء مكررا من مشهد مألوف؟

على قمة الجبل بدت أسوار قلعة قديمة .. ترى ماذا تحمل جدرانها وزواياها من حكايا .. وماذا شهدت من معارك .. وأي رقعة حاكت من التاريخ؟

والنوارس.. ها هي النوارس من جديد.. ترفرف حول السفينة تلقي تحايا الصباح لتكون أول حي يستقبلني .. تبدد هتافاته صمت اللوحة وتبث فيها الحياة ..

P1010054

دخلنا المياه الإقليمية الفرنسية .. وخف لاستقبال السفينة قارب صغير .. يأخذ بناصيتها إلى ميناء طولون محطتنا الأولى..

حسنا .. ترجلت من السفينة للمرة الأولى .. ووقفت أرقبها في امتنان أن عادت بي إلى الشاطئ من جديد .. وركبت قطارا صغيرا كان بانتظارنا ليأخذنا في جولة سريعة.. وعلى الشاطئ في ناحية أخري توقف بنا .. أفطرت في مقهى صغير وتجولت قليلا في وسط البلدة .. فإذا بازار منوّع .. اشتريت منه بعض التذكارات .. وعدت أدراجي إلى السفينة.. كان بانتظارنا غداء فاخر في قاعة كبيرة تخدمه نادلة طاولتنا اليومية تنادي كلا منا باسمه ببسمة ودودة تسأل عن أخبار محطتنا الأولى وتتلقى انطباعاتنا عنها .. وبعد الغداء وقفت في شرفتي أرقب مشهد وداع الشاطئ ووداع النهار يتكرر ثانية بتفاصيله الآسرة .. ثم أسدلت ستاري واحتضنت وسادتي بانتظار المحطة التالية ..

جولة في أحضان المتوسط 1 / 7


صورة اليوم الأول

للمرة الأولى سأسافر بالسفينة في جولة أوروبية في أحضان المتوسط .. إحساس جديد أشعر به تجاه هذه الرحلة التي ستمتد  بي سبعة أيام بين  مدن أزورها للمرة الأولى .. مزيج من حماسة وترقب.. ترى كيف ستكون الرحلة؟ وهل سأشعر بالدوار؟ وهل سيخيف البحر سفينتنا بموجه المتلاطم لا سيما حين تغيب الشمس ويظلم الكون؟ لا أستطيع كتمان حماستي لزيارة كثير من البلاد التي لم تطأها قدماي بعد .. ولم تشهد لي أرضها ركوعا ولا سجودا .. أعددت حقيبة الرحلة تشرّق بي هواجسي وتغرّب .. وأخيرا.. جاء اليوم الموعود..

وصلت السيارة بي إلى ميناء برشلونة بعد لقاء قصير أسفر عن إعجاب ووعد بعودة قريبة .. كيف لا وقد استقبلتني بقطرات مطر ونسمات لطيفة.. وبسمات على وجوه أهلها التلقائيين.. أترى أعود؟

في الميناء ومن بين السفن الكثيرة .. وقفت سفينتنا بيضاء شامخة أنيقة .. واسمها مرقوم على مقدمتها .. سرت فيّ رعدة هيبة وحماس وأنا أقف في صف طويل .. مع أكثر من عشرة آلاف مسافر من مختلف الجنسيات..بهرني التنظيم والدقة وبراعة الإدارة التي اتضحت منذ اللحظة الأولى .. صعدت إلى غرفتي بعد وقت قصير جدا قياسا إلى الحشود الهائلة التي اصطفت تنهي إجراءاتها .. توجهت مباشرة  إلى الشرفة ومنها إلى جولة في الجوار.. أنظر إلى سائر الركاب الذين ما زالوا يصعدون على متن هذا الفندق العائم ..

بدأت السفينة تمخر عباب المتوسط يرافقها قارب صغير سريع .. وموكب من النوارس يحلق حولنا هنا وهناك ملوحا بالوداع.. حتى غادرنا المياه الإقليمية الإسبانية .. وبدأت الرحلة إلى فرنسا حيث محطتنا الأولى ..

photo

لا شيء غير البحر أمامي .. وصوت الموج يهدر في أذنيّ.. انقطع إرسال الهاتف والانترنت .. وشعرت أني في أحضان البحر وتحت رحمة خالقه .. في حديدة بيضاء هائلة .. تزدحم بألوف من البشر .. تسبح نحو الغروب في جمال مهيب يمتد خلفها شريط من زبد كعروس تخطر في فستانها تجر ذيلا طويلا من الدانتيل الأبيض.. أغلقت شرفتي وقد احتضن الشفق الشمس.. وأسدل الليل ستوره فأسدل على الشرفة ستاري ورحت في سبات عميق..