جولة في أحضان المتوسط 2 / 7

P1010105

اليوم الثاني

صحوت في الفجر فهرعت إلى شرفتي أستقبل الصباح .. مازال الموج يسبّح والكون ينصت خاشعا.. والهلال يستمتع بآخر لحظات ضيائه قبل أن تبهره الشمس بسطوعها والسفينة تمضي إلى وجهتها بسكينة وشموخ..

ما أجمل صباحك أيها البحر بنسماته الباردة تنعش الروح .. وموجه الهادئ يطرب الفؤاد وغيوم وردية تعانق السماء وهي تودع القمر لتستقبل الشمس التي تلون هذه اللوحة بريشة فنان .. تودع الظلام لتستقبل الضياء والنور .. وأنا في شرفتي أتأمل هذا الوجود .. في انتظار أول إطلالة يبدو فيها الشاطئ من جديد..

برهة وبدأت بوادر اليابسة تلوح في الأفق.. حلقت نوارس مسرعة تستكشف هذا الجرم القادم إلى عالمها قبل أن تحط على صفحة الماء تبحث بين أرزاق الله عن إفطارها.. وعلى خط الأفق بدا جبل بعيد أمامه طيف سفينة من حولها أشرعة متفرقة في عرض البحر ..

نشرت الشمس شعاع الذهب على صفحة البلور المتكسر في استسلام للمسات النسيم .. كيف لا يفلح كل ضيائها في الكشف عما تغطيه طبقات هذا البلور من أسرار البحر وكوامنه؟

الثامنة صباحا بتوقيت بلادي الذي احتفظت به في ساعتي مكتفية بحساب فارق التوقيت ذهنيا.. مع اقتراب الشاطئ ظهرت بعد التفاصيل .. الجبال.. أشجارها .. بيوت المدينة .. نوافذها .. قوارب البحارة.. ثم أهلها .. ترى هل ينظر أهلها إلى هذه السفينة القادمة أم أنهم اعتادوا رؤيتها تعود في صباحات كثيرة .. حتى أصبحت بالنسبة لهم جزء مكررا من مشهد مألوف؟

على قمة الجبل بدت أسوار قلعة قديمة .. ترى ماذا تحمل جدرانها وزواياها من حكايا .. وماذا شهدت من معارك .. وأي رقعة حاكت من التاريخ؟

والنوارس.. ها هي النوارس من جديد.. ترفرف حول السفينة تلقي تحايا الصباح لتكون أول حي يستقبلني .. تبدد هتافاته صمت اللوحة وتبث فيها الحياة ..

P1010054

دخلنا المياه الإقليمية الفرنسية .. وخف لاستقبال السفينة قارب صغير .. يأخذ بناصيتها إلى ميناء طولون محطتنا الأولى..

حسنا .. ترجلت من السفينة للمرة الأولى .. ووقفت أرقبها في امتنان أن عادت بي إلى الشاطئ من جديد .. وركبت قطارا صغيرا كان بانتظارنا ليأخذنا في جولة سريعة.. وعلى الشاطئ في ناحية أخري توقف بنا .. أفطرت في مقهى صغير وتجولت قليلا في وسط البلدة .. فإذا بازار منوّع .. اشتريت منه بعض التذكارات .. وعدت أدراجي إلى السفينة.. كان بانتظارنا غداء فاخر في قاعة كبيرة تخدمه نادلة طاولتنا اليومية تنادي كلا منا باسمه ببسمة ودودة تسأل عن أخبار محطتنا الأولى وتتلقى انطباعاتنا عنها .. وبعد الغداء وقفت في شرفتي أرقب مشهد وداع الشاطئ ووداع النهار يتكرر ثانية بتفاصيله الآسرة .. ثم أسدلت ستاري واحتضنت وسادتي بانتظار المحطة التالية ..

..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s